ابن أبي الحديد
19
شرح نهج البلاغة
فلما أتاه الكتاب ، وذلك بعد ادعاء معاوية إياه غضب حيث لم ينسبه إلى أبي سفيان ، فكتب إليه : من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن ، أما بعد ، فإنه أتاني كتابك في فاسق تؤويه الفساق من شيعتك وشيعة أبيك ، وأيم الله لأطلبنه بين جلدك ولحمك ، وإن أحب الناس إلى لحما أن آكله للحم أنت منه [ والسلام ] ( 1 ) . فلما قرا الحسن عليه السلام الكتاب ، بعث به إلى معاوية ، فلما قرأه غضب وكتب : من معاوية بن أبي سفيان إلى زياد . أما بعد ، فإن لك رأيين : رأيا من أبي سفيان ورأيا من سمية ، فأما رأيك من أبي سفيان فحلم وحزم ، وأما رأيك من سمية فما يكون من مثلها . إن الحسن بن علي كتب إلي بأنك عرضت لصاحبه ، فلا تعرض له ، فإني لم أجعل [ لك ] ( 1 ) عليه سبيلا ، وإن الحسن ليس ممن يرمى به الرجوان ( 2 ) ، والعجب من كتابك إليه لا تنسبه إلى أبيه أو إلى أمه ، فالآن حين اخترت له ، والسلام . قلت : جرى في مجلس بعض الأكابر وأنا حاضر القول في أن عليا عليه السلام شرف بفاطمة عليها السلام فقال إنسان كان حاضر المجلس : بل فاطمة عليها السلام شرفت به وخاض الحاضرون في ذلك بعد إنكارهم تلك اللفظة ، وسألني صاحب المجلس أن أذكر ما عندي في المعنى وأن أوضح : أيما أفضل علي أم فاطمة ؟ فقلت : أما أيهما أفضل ، فإن أريد بالأفضل الأجمع للمناقب التي تتفاضل بها الناس ، نحو العلم والشجاعة ونحو ذلك ، فعلي أفضل ، وإن أريد بالأفضل الا رفع منزلة عند الله ، فالذي
--> ( 1 ) عن " د " . ( 2 ) الرجوان : تثنية رجا ، والرجا مقصور : ناحية كل شئ . ويقال : رمى به الرجوان : إذا استهان به ، فكأنه رمى به هنالك ، أراد أنه طرح في المهالك .